عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
287
طبقات شعراء المحدثين
وحدّثني أبو مالك عن الأجلح بن يزيد قال : كان العبّاس بن الأحنف صاحب غزل ، رقيق الشعر ، يشبّه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي « 1 » في عصره ، ولم يكن يمدح ولا يهجو ، إنما كان شعره كلّه في الغزل والوصف ، وهو الذي يقول : أشكو الذين أذاقوني مودّتهم * حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا لأخرجنّ من الدنيا وحبّهم * بين الجوانح لم يشعر به أحد ألقيت بيني وبين الهمّ معركة * فليس تنفد حتى ينفد الأبد « 2 » وممّا يستحسن له قوله : لو كنت عاتبة لسكّن لوعتي * أملى رضاك ، وزرت غير مراقب لكن مللت فلم تكن لي حيلة * صدّ الملول خلاف صدّ العاتب ما ضرّ من قطع الرّجاء ببخله * لو كان علّلني بوعد كاذب « 3 » وهذا المعنى يشبه قول الشاعر : أميتيني ، فهل لك أن تردّي * حياتي من مقالك بالغرور « 4 » أرى حبيبك ينمي كلّ يوم * وجورك في الهوى عدلا فجوري ومن بديع ما للعبّاس وطريفه ما ليس لأحد في معناه شيء يدانيه قوله : أحرم منكم بما أقول وقد * نال به العاشقون من عشقوا صرت كأنّي ذبالة نصبت * تضيء للناس وهي تحترق « 5 » وهو القائل أيضا : هبوني أغصّ إذا ما بدت * وأمنع طرفي ولا أنظر « 6 » فكيف استتارى إذا ما الدموع * نطقن فبحن بما أضمر ؟
--> ( 1 ) انظر ترجمة عمر بن أبي ربيعة المخزومي في الشعر والشعراء ( ص 401 ) ، ووفيات الأعيان ( رقم 463 ) ، والأغاني ( 1 / 28 ) و ( 1 / 71 ) ، والموشّح للمرزباني ( 201 ) . ( 2 ) تنفد : تنقطع - الأبد : الدهر . ( 3 ) علّلني : شغلني ولهاني . ( 4 ) أميتيني : وفي رواية أمتيني والأول بصيغة الأمر والثاني بصيغة الماضي . ( 5 ) الذبالة : الفتيلة . ( 6 ) هبوني : احسبوني ، وهب فعل أمر من وهب .